التخطي إلى المحتوى
إمام الصوفية “بن علوان”.. الجمع المبارك والأنموذج المشرف

إمام الصوفية “بن علوان”.. الجمع المبارك والأنموذج المشرف

 

رفيق الحمودي

 

من ذا لا يعرف الشيخ العلامة الإمام “أحمد بن علوان”؟

أو كما يسمونه الصوفيين ب”الباهوت”؟

فهو القطب صفي الدين أبو العباس: أحمد بن علوان بن عطاف بن يوسف بن علي بن عبد الله بن مطاعن بن عبد الكريم بن عيسى بن إدريس بن عبد الله بن عيسى بن عبد الله بن محمد بن الحسن السبط بن علي بن أبي طالب ( رضي الله عنه وعنهم أجمعين).

إنه “الباهوت” القطب العارف بالله الشيخ أحمد بن علوان – قدس الله سره – إمام الصوفية وفيلسوفهم في عصر الدولة الرسولية في اليمن، نشأ في أحضان الرئاسة والعلم، وكان يعمل مع السلطان، وكاد الشيخ أن ينتهج طريق والده مع السلطان، إلا انه تحول إلى طريق التصوف تحت تأثير خارق، ولزم الخلوة والعبادة، واشتهر بحب الوعظ، فقد كان يسلك في وعظه طريقة ابن الجوزي حتى لقب بجوزي اليمن، وله رسائل كثيرة ومؤلفات جمعت في مجلدات منها كتاب (الفتوح المصونة والأسرار المخزونة)، فضلاً عن ديوانه الشعري الذي جاء أغلبه في التصوف.

ووالده الشيخ الجليل أحمد بن علوان  الشيخ والأديب علوان بن عطاف: أحد الكتاب المشهورين في اليمن في نهاية القرن السادس وبداية القرن السابع الهجريين، أصله من بلد (خاو) وهي قرية شرق مدينة يريم بنطاق محافظة إب حالياً.

تربى الشيخ “ابن علوان” في أحضان والده على ما جرت عليه أولاد الكتاب والمقربين من الدولة، وتلقى علومه على كبار رجالات عصره ونبت نباتاً حسناً، وكان قارئاً كاتباً فاضلاً، تعلم الكتابة والنحو، اللغة والتصوف والقراءات والتفسير والفقه والحديث، ودرس الفلسفة والمنطق والأدب والتاريخ، وكتاباته تدل على ذلك. وكانت بيئته الاجتماعية والثقافية مزدهرة بأنواع الفنون والمعارف والعلوم والآداب.

شارك الشيخ أحمد بن علوان في كتابه التوحيد أنه ( يذهب في الفقه مذهب الإمام محمد بن إدريس الشافعي) وهو المذهب السائد في المحافظات الجنوبية والشرقية من اليمن.

وأخذ الشيخ الجليل أحمد بن علوان التصوف على يد الشيخ الجليل عمر الطيار ، وقد أشار إلى ذلك الشيخ في إحدى قصائده التي رثا بها شيخه العارف بالله أبو حفص عمر بن المسن المعروف بالطيار المتوفي سنة 645 هـ.

حيث قال :

كنا الظلام وكنت أنت سراجنا

كنا العِطاش وكنت أنت الساقي

لا بالمَهين ولا المُهين لقادم

ما أبا حفصٍ ولا البــــــراقِ

أسست فينا الخير واستنهضتـنا

لمراتِبٍ علوية ومـــــراقِ

وهديتنا سُبلاً بهن سبقتنــــا

حُبيتَ من هــادٍ ومن سبــاقِ

تحدو بنا وتشوقُ نحو إلهنــا

حُييتَ من حادٍ ومن شـــواقِ

وقد كانت طريقة الشيخ عمر بن المسن قادرية: نسبةً إلى الشيخ العارف بالله عبد القادر الجيلاني المتوفي سنة 561 هـ. جاءت هذه الطريقة إلى اليمن عبر مجموعة من العظماء هم: علي الحداد ومدافع بن أحمد الخولاني، وعثمان بن ساوح، وعمر بن المسن وعلي بن أحمد الرميمة، ، عندما التقى بعضهم بالشيخ عبد القادر في مكة.

عاصر الشيخ أحمد بن علوان كثير من علماء وصوفية اليمن الكبار أمثال الشيخ أبو الغيث بن جميل، وعمر بن المسن وعلي بن أحمد الرميمه، والشيخ سلمان بن إبراهيم، ومن أعيان الفضلاء: السلطان بن العلاء السمكري والأمير شمس الدين علي بن يحيى العنسي، وعبد الوهاب بن رشيد، وداود النسّأخ وعلي بن عمر بن أحمد، ومحمد بن الحضرمي والنقيب علي بن يحيى بن عمران وغيرهم، وبينه وبين هؤلاء حوارات ورسائل ورد بعضها في كُتب الشيخ أحمد بن علوان.

وبعد أن انتقل “الباهوت” الى الرفيق الأعلى صار لضريحه مكانة مقدسة وتقام زيارة سنوية له في ذكرى انتقاله حيث انتقل في مساء الجمعة في العشرين من شهر رجب سنـة 665 هـ ووري جثمانه الثرى بقرية يفرس في مديرية جبل حبشي بمحافظة تعز والتي كانت تسمى بجبل “ذخر” وتقع حاليا بنطاق محافظة تعز غرب اليمن وتبعد عن مدينة تعز بحوالي 25 كم ودفن بمسجده المعروف باسمه.

وتقام مناسبة دينية إحياء لتاريخه التليد وهي ذكرى انتقاله من كل عام، سمتها المصادر التاريخية باسم (يوم الجمع المبارك).

ومنذ ما سمي بثورات الربيع العربي والفوضى التي لم تسلم منها اليمن وخاصة محافظة تعز،وما تلاها من حرب ظالمة على اليمن واليمنيين، وما رافق ذلك من أحداث قلما يمكن وصفها بالمأساوية!.. منذ ذلك الحين توقفت مناسبة إحياء ذكرى الجمع المبارك للشيخ الجليل “أحمد بن علوان”‘.

ورغم استمرار الحرب وانقسام المديرية واعتبار بعض مناطقها مناطق تماس خطرة، وصعوبة التنقل بين بعض قراها وعزلها نظرا للظروف الراهنة، ونظرا لعوامل اقتصادية وعسكرية وسياسية وإجتماعية تحول دون وصول بعض مريدي الشيخ الجليل ” أحمد بن علوان” طيب الله ثراه..

رغم كل ذلك إلا أنه تم استئتاف هذا الجمع المبارك وإحياء مناسبة هي في الأساس فرصة وملتقى تجمع الأحبة لذكر الله تعالى والصلاة على سيدتا محمد صلوات الله عليه وعلى ءآله وأصحابه أجمعين، وهي أيظا مناسبة لإحياء ذكرى شيخ وإمام قدم الكثير والكثير للأدب والثقافة والتاريخ والعلم والفقه ومختلف العلوم الإنسانية والطبية،

ولا يختلف إثنان أن ضريح الزاهد التقي “ابن علوان” معلم إسلامي وتاريخي لشيخ ملأ سيطه أرجاء المعمورة وأن الزيارة لهذا الضريح هي زيارة تعبيرا عن المكانة العظيمة التي يحتلها هذا العالم في نفوس الناس وفرصة لتجديد العهد لهكذا علماء بتذكر مناقبهم الجليلة والإنتهال منهم للسير على طريقهم المستقيم وتعليم الأجيال المتتالية تاريخ وعظمة وسيرة أئمة الدين هؤلاء أمثال الشيخ “ابن علوان”، كما أن هكذا مناسبات روحانية هي للترويح عن النفس والخلود بها نحو الذكر والقصائد والموشحات، فالمتعطش لهكذا مناسبات لا يقل شأنا عن المتعطش للماء، فكلاهما يعيدان الحياة.

وبعيدا عن الأفكار والتصرفات الهدامة والمضللة التي يروج لها أعداء الدين من المتشددين والذين يحرمون الإحتفاء بمثل هذه المناسبات ويخلطون بينها وبين الشرك بالله و-العياذ بالله- وينسبون ظلما وإفكا ادعاءات عدة حول هذه المناسبات الجليلة – بعيدا عن الخوض بتلك الترهات – يفتخر ويفاخر أبناء مديرية جبل حبشي بل ومحافظة تعز، بالسيرة العطرة للشيخ أحمد بن علوان وبالذكرى السنوية التي مغازيها الروحانية حتما أكبر من مجرد القاء قصيدة أو موشح ومن مجرد إجتماع..

فإذا كان في زيارة المنتقلين الى رحمة الله – أيا كانوا – رحمة وخير وأجر فكيف بزيارة أضرحة العلماء الأجلاء أمثال العالم الرباني الشيخ الولي أحمد بن علوان الذي قدم إرثا في كل المجالات وخلف تركة وكنوزا ثمينة في الأدب والبلاغة والفقه والطب ومختلف العلوم علاوة على أنه حجة وموسوعة وشيخ علم لم تخف بركته على مريديه وعلى كل محبيه ولا يدرك سرها الى من اختصه الله برحمته، والله يختص برحمته من يشاء.

وبهذا العام أبت مشيئة الله تعالى إلا أن يعاد إحياء مناسبة لطالما انتظرها اليمنيون بشوق.. إنها مناسبة يوم الجمع المبارك التي كانت تقام في العشرين من رجب من كل عام.

لقد تم الحشد والتجهيز والإعداد والتهيئة للإحتفاء بيوم الجمع المبارك في موقع ضريح الشيخ الجليل “أحمد بن علوان” رضي الله عنه، ويحسب ذلك لمشائخ ووجهاء في مديرية جبل حبشي وفي مقدمتهم الشيخ الحبيب / محمد عبدالباري السروري، الذي كان ضمن الصفوف الأولى لهذا “الجمع المبارك” ولإحياء مناسبة جليلة وذكرى عطرة لها العديد من المعاني والدلالات العظيمة التي لا يمكن إيجازها بمجرد كلمات عابرة، فتعظيم سلام وكلمة شكر وعرفان مكللة بخالص الدعاء والإمتنان للشيخ / محمد عبدالباري السروري، ورفاق دربه من مشائخ المحبة والتسامح وفي مقدمتهم أيظا الشيخ الحبيب/ مطيع أمين عبدالواسع عبدالجبار نعمان، الذي استطاع وبتكاتف بعض الوجهاء والشخصيات الإجتماعية والعقلاء من أبناء مديرية جبل حبشي توحيد الصفوف ولم الشمل من جديد وحشد صفوة القوم وأعيانهم في مناسبة جليلة استحقت أن تكون فعلا “جمعا مباركا”، وجمعا يعد بادرة خير وبشرى بقرب الإنفراج وبداية “جمع مبارك” لكل أطياف المجتمع ليس بالمديرية أو في محافظة تعز فحسب وإنما باليمن بشكل عام بإذنه تعالى،

لقد استطاع شيخ مشائخ جبل حبشي الشيخ / مطيع أمين عبدالواسع، ومعه الشيخ / محمد عبدالباري السروري ومعهما بعض الشخصيات الإجتماعية ومشائخ الصوفية والوجهاء بأن يعلموا الاخرين درسا في السياسة وفنا من فنون الدبلوماسية ومنهجا من مناهج التعايش السلمي بأن جمعوا القاصي والداني من مشائخ وشخصيات من مشارب سياسية وإجتماعية متعددة دون تحيز لحزب أو تعصب لفئة وجمعهم تحت راية واحدة وهي رآية المحبة والتسامح والتعايش السلمي والوقوف صفا واحدا تحت راية الله تعالى وسيدنا محمد صلوات الله عليه وعلى ءاله واصحابه، وهي الراية ذاتها التي دعا إليها حبيبنا المصطفى صلوات الله عليه وعلى ءاله واصحابه ودعا اليها أيظا العلماء ومشائخ التصوف وإمامهم القطب الشيخ “أحمد بن علوان” – قدس الله سره – ليجتمع الكل تحت تلك الرآية وليصبح الجمع فعلا وحقيقة “جمع اليوم المبارك”.

إن شيخ جبل حبشي، الحبيب الشيخ / مطيع أمين عبدالواسع والشيخ الحبيب / محمد عبدالباري السروري وبعض مشائخنا الكرام ووجهاء وأعيان مديرية جبل حبشي جسدوا – قولا وفعلا – أن “الجمع المبارك” هو المخرج لأوضاعنا الراهنة وأن الإرادة إذا وجدت فلا شيئ مستحيل، كما أنهم عكسوا أنموذجا صحيحا ومشرفا عن أبناء جبل حبشي التواقين للسلام والبعيدين كل البعد عن ما يقال ضدهم من بعض الحاقدين.

كما إن شخصيات ممن ذكرت وممن حضر من مشائخ لا يتسع المجال لذكرهم.. ليسوا بحاجة لكلماتي ولا كلمات الآخرين ولكنه واجب وأمانة الكلمة التي تحتم على الجميع مناصرة كل من يسعى للسلام وكل من يتجه صوب هكذا “جمع مبارك.”

لقد كانت مناظر “الجمع المبارك” في قرية “يفرس” تقشعر لها الأبدان وتتساقط لها العبرات وتثلج الصدور المحبة وهي ترى مختلف أصناف وشرائح المجتمع يتعاضدون كالجسد الواحد ويهتفون بذكر الرحمن الرحيم، صفوفا متراصة ويتقدمون بأهازيج يهتز لها الوجدان وتطير اليها القلوب شوقا وتطرب لها الأسماع وتهتف معها الأرواح قبل الألسنة.. إنها مشاهد تحرك مشاعر كل صاحب قلب وكل من يمتلك ولو القليل من الحب والإيمان، ألم أقل لكم أنه كان فعلا “جمعا مباركا”

هنيئا لأبناء جبل حبشي هكذا مناسبات تلم الشمل ولا تفرق وترص الصفوف للسلام لا للحروب والمتارس، وهنيئا لأبناء جبل حبشي الكرماء لأحرار وجود هكذا شخصيا تسعى دوما لإحياء ودعم ومناصرة كل ما من شأنه إحياء ذكر الله والصلاة والسلام على إمام الرحمة المهداة محمد صلوات الله عليه وعلى ءآله وأصحابه.

وقبل هذا وذاك.. هنيئا لهم جميعا بالجمع المبارك بقيادة إمام الصوفية الشيخ أحمد بن علوان – قدس الله سره.

اللهم اجعل جمعنا هذا جمعا مرحوما وتفرقنا من بعده تفرقا مباركا معصوما ولا تجعل فينا ولا معنا شقيا أو محروما.

 

مدد يا “باهوت” مدد